قضية ولاية العهد غالبا ما حوم حولها العديد من المشاكل مع معظم خلفاء الدولة الإسلامية ولعل من أبرز من مرت عليهم هذه المشاكل هو هارون الرشيد لما أراد أن يخلعه أخوه الهادي من ولاية العهد التي عهد له بها أباهما المهدي ، وهذه خطأيكر مع أكثر من خليفة و هو زنه يولي من بعده وليين للعهد و هذا مما يثير المشاكل والفتن بين البيت الواحد ، وفي حديثنا عن قضية ولاية العهد في عصر الخليفة الهدي سنتستعرض عدة شخصيات أهمها هي الخليفة الهادي و أخوه ولي العهد هارون الرشيد وصاحبه يحيى بن خالد البرمكي و أم الهادي والرشيد السيدة الخيزران وقيادات الجيش أو الوزراء في عهد الهادي ، وحصلت هناك عدة حوارات وحوادث بين هذه الشخصيات في محاولة خلع الرشيد عن ولاية العهد وسنذكرها كلها من خلال تاريخ الأمم والملوك للطبري .
أولا : سبب إرادة الهادي خلع الرشيد من ولاية العهد :
- أن الخليفة موسى الهادي زراد أن يجعل الأمر من بعده لابنه جعفر بن موسى ، وهذا ما صرح به الطبري في قوله )فأراد الهادي خلع هارون الرشيد والبيعة لابنه جعفر بن موسى الهادي ( .
- كا ن القواد يشجعون الهادي على خلع هارون وتولية جعفر و تتابعوا على ذلك ويذكر الطبري منهم )يزيد بن مزيد وعبدالله بن مالك وعلي بن عيسى ومن أشبههم( ثم يكمل الطبري فيقول أنهم فعلا خلعوا ارشيد وبايعوا لجعفر )فخلعوا الرشيد وبايعوا لجعفر بن موسى ودسوا إلى الشيعة فتكلموا في أمره وتنقصوه في مجلس الجماعه وقالوا لا نرضى به وصعب أمرهم حتى ظهر ( وهنا يتبين لنا الدور الكبير الذي قام به قواد الهادي في عزلهم للرشيد .
ثانيا : الوسائل التي اتبعها الهادي لعزل الرشيد :
- أمر الهادي ألا يسار قدام الرشيد بحربة ، مما كره الناس فيه وخافوه واجتنبوه وهذا ما يؤكده الطبري بقوله : )و أمر الهادي ألا يسار قدام الرشيد بحربة ، فاجتنبه الناس وتركوه ، فلم يكن أحد يجترأ أن يسلم عليه و لا يقربه( .
- لما علم الهادي أن يحيي بن خالد البرمكي هو الصديق المقرب لهارون الرشيد ، وزن يحيى هو من يشجع هارون على رفض التنازل عن الخلافه أرسل إليه يهدده بالقتل والتعذيب و هذا ما ذكره الطبري: )وسعي إلى الهادي بيحيي بن خالد ، وقيل له أنه عليك من هارون خلاف و إنما يفسده يحيي بن خالد ، فابعث إلى يحيي وتهدده بالقتل وارمه بالكفر ، فأغضب ذلك موسي الهادي على يحيي بن خالد( .
- أخذ الهادي من الرشيد خاتما كان قد وهبه له أبوه المهدي ويذك لنا الطبري ذلك فيقول :)ولما وصل الرشيد إلى كرسي الجسر دعا بالغواصين فقال كان المهدي وهب لي خاتما شراؤه مائة ألف دينار يسمى الجبل ، فدخلت على أخي وهو في يدي ،فلما انصرفت لحقني سليم الأسود على الكرسي ،فقال يأمرك أمير المؤمنين أن تعطيني الخاتم ،فرميت به في هذا الموضع فغاصوا فأخرجوه فسر به غاية السرور(.
- حاول في أكثر من موضع أن يقنع يحيي بن خال أن يقنع الرشيد بالتنازل عن ولاية العهد ومنها أن الهادي دعا يحيي بن خالد في ليلة ليحدثه ويعاتبه لتدخله في شزن بينه وبين أخيه ويذكر لنا الطبري الحالة الي قدم بها يحيي للهادي فيقول:) بعث الهادي إلى يحيى ليلا فأيس من نفسه وودع أهله وتحنط وجدد ثيابه ولم يشك في أنه يقتله ( وكأن يحيى كما يصف الطبري يتهيأ لحنوط الموت ويرتقب وفاته ثم يذكر لنا الطبري الحوار الذي دار بين الهادي ويحيى فيقول : )فلما أدخل عليه قال:يا يحيى ماي ومالك! قال :آنا عبدك يا أمير المؤمنين من أنا فما يكون من العبد إلى مولاه إلا طاعته .قال :فلم تدخل بيني وبين أخي وتفسده علي! قال: يا أمير المؤمنين من أنا حتى أدخل بينكما! أنما صيرني المهدي معه وأمرني بالقيام بأمره فقمت بما أمرني به ثم أمرتني بذلك فانتهيت إلى أمرك . قال: فما الذي صنع هارون؟ قال: ما صنع شيئا ولا ذلك فيه ولا عنده . قال: فسكن غضبه .وقد كان هارون طاب نفسا بالخلع ، فقال له يحيي : لا تفعل ، فقال: أليس يترك لي الهنيء والمريء فهما يسعانني وأعيش مع ابنة عمي ، وكان هارون يجد في أم جعفر وجدا شديدا ،فقال له يحيى: وأين هذا من الخلافه ! ولعلك ألا يترك هذا في يدك حتى يخرج أجمع ، ومنعه الإجابة( ثم انصرف يحيى وهكذا انتهى الحوار بين يحيى و الهادي ، ولكن الهادي استدعاه مرة أخرى يريد اقناعه بخلع الرشيد ، فأمر وزيره وحاجبه الربيع أن يستدعي يحيي وأمره أن يكون اخر من يدخل عليه في هدذا اليوم ويذكر لنا الطبري هذه الحادث فيقول: )قال الهادي يوما للربيع :لا يدخل علي يحيي بن خالد إلا آخر الناس ، قال فبعث إليه الربيع وتفرغ له ، قال فلما جلس من غد أذن حتى لم يبق أحد ، ودخل عليه يحيى( وكان في هذا اليوم قد اجتمع عند الهادي كبار بني العباس وقواد الدولة وجلة أهله ويذكر منهم الطبري عبدالصمد بن علي والعباس بن محمد ، ثم يذكر الطبري الحوار الذي كان بين الهادي ويحيى و يصور لنا ذلك المشهد فيقول : )فما زال يدنيه حتى أجلسه بين يديه ، وقال له :إني كنت أظلمك وأكفرك فاجعلني في حل ، فتعجب الناس من إكرامه إياه فقبل يحيى يده وشكر له ( فكان هناك شيء من الود الاستئناس بالشعر ثم أكملوا حوارهم ، وتكلم الهادي في خلع الرشي فقال يحيي كما أورد الطبري علي لسانه :) يا أمير المؤمنين إنك إن حملت الناس على نكث الأيمان هانت عليهم أيمانهم ، وإن تركتهم على بيعة أخيك ثم بايعت لجعفر من بعده كان ذلك أوكد لبيعته فقال صدقت ونصحت ولي في هذا تدبير( فهنا بدأ الهادي يقتنع بشكل أولي بالتراجع عن خلع الرشيد عن ولاية العهد .
- اشتد الهادي مرة أخرى على يحيي بن خالد لأنه يعتقد أنه السبب في عدم رضا الرشيد بالتنازل عن الخلافه ، فأمر الهادي بحبس يحيى بن خالد ، فأرسل يحيى إلى الهادي رقعة فيها )إن عندي نصيحة( فلما قرأ الهادي الرقعه أمر باستدعاء يحيى من الحبس ليحاوره ، فيذكر لنا الطبري هذا الحوار المهم الذي نعتقد انه من بعده قد اقتنع الهادي بالتراجع عن فكرة خلع الرشيد ، يقول الطبري :)فقال: يا أمير المؤمنين أخلني ، فأخلاه ، فقال: يا أمير المؤمنين أرأيت إن كان الأمر أسأل الله ألا نبلغه وأن يقدمنا قبله ، زتظن أن الناس يسلمون الخلافة لجعفر وهو لم يبلغ الحلم و يرضون به لصلاتهم وحجهم وغزوهم! قال: والله ما أظن ذلك ، قال : يا أمير المؤمنين أفتأمن أن يسمو إليها أهلك وجلتهم من مثل فلان و فلان ويطمع فيها غيرهم فتخرج من ولد أبيك؟ فقال له :نبهتني يا يحيى ،قال: وقال له: لو أن هذا الأمر لم يعقد لأخيك أما كان ينبغي أن تعقده له فكيف بأن تحله عنه وقد عقده المهدي له! ولكن أرى أن تقر هذا الأمر يا أمير المؤمنين على حاله فإذا بلغ جعفر وبلغ الله به أتيته بالرشيد فخلع نفسه وكان أول من يبايعه ويعطيه صفقة يده ( و تقبل الهادي هذا الرأ بكل أريحية و بانت عليه ملامح الاقتناع و أطلق يحيى من الحبس .
- لما اشتد طلب الهادي للرشيد بخلع نفسه وازداد غضبه عليه ، نصح يحيي بن خالد لهارون أن يستأذن من الهادي في الخروج إلى الصيد و إذا خرجت فأطل المده ، وفعلا طالت غيبة الرشد كما يقول الطبري أربعين يوما وكان في قصر مقاتل ، فلما أحس الهادي بطول غياب الرشيد ووبدأ يراسبه ولكن الرشيد يصرفه ، فتفاقم الأمر على الهادي و أظهر شتم الرشيد وهنا يقول الطبري :) وجعل يكتب إليه و يصرفه فتعلل عليه حتى تفاقم الأمر وأظهر شتمه و بسط مواليه وقواده ألسنتهم فيه ( فكان هذا الشتم من الخليفة وقواده ضرب من الضروب التي مارسها الهادي لخلع الرشيد .
- ولعل من الوسائ ل الغير مباشرة في سبيل خلع الرشيد عن ولاية العهد هو ارسال السيدة الخيزران أم الهادي و الرشيد إلى يحيى أرسلت إليه ظئرا فبكت عنده وشقت جيبها في محاولة من السيدة الخيزران لحفظ دم وروح الرشيد وفضلت ان يتنازل عن ولاية العهد على أن يقتله الهادي ولكن يحيى رد الجاريه وأخبرها أنه إذا كان سيقتل فإني سأقتل قبله .
ثالثا: بين موسى الهادي وهارون الرشيد :
- هناك رؤية أوردها الطبري على لسان هارون الرشيد ، يذكر فيها هارون أن أباه المهدي رأى روية مفادها أن المهدي رأى في منامه أنه دفع إلى موسى قضيبا و إلى هارون قضيبا فأورق من قضيب موسى أعلاه فقط أم قضيب هارون فأورق من أوله إلى آخره فلما استدعى المهدي من يفسر له هذه الرؤيا قال له يملكان جميعا لكن موسى تقل أيامه ووأما هارون فيبلغ مدى ماعاش الخليفة وأيامه أحسن أيام ودهده أحسن دهر ، لكن مثل هذه الروايات أو القصص لا تصدق لأكثر من سبب ولعل منها أنه راوي الرؤيه هو هارون المنافس لموسى ، كما أن الرؤي لا يصح الاعتماد عليها في الاستدلال والاثبات ، ونتوقع أن كثيرا منها كتب بعد أن حصل الحدث ليضفوا عليه طابعا قصصيا جميلا .
- حصل حوار بين هارون الرشيد وموسى الهادي في بعدما تولى الهادي الخلافه فلما دخل هارون مجلس الخليفة قربه منه وطفق بنظر رليه وأدمن ذلك ثم قال الهادي لهارون بنص الطبري :) يا هارون كلأنيبك تحدث نفسك بتمام الرؤيا وتؤمل ما أنت منه بعيد ودون ذلك خرط القتاد ، تؤمل الخلافه! قال فبرك هارون على ركبتيه وقال: يا موسى إنك إن تجبرت وضعت و إن تواضعت رفعت ، وإن ظلمت ختلت و إني لأرجو أن يفضي الأمر إلي فأنصف من ظلمت و أصل من قطعت وأصير أولادك أعلى من أولادي وأزوجهم بناتي وأبلغ ما يجب من حق الإمام المهدي ، فقال له موسى: ذلك الظن بك يا أباجعفر ادن مني فدنا منه فقبل يديه ثم ذهب يعود إلى مجلسه فقال له: لا والشيخ الجليل والملك النبيل أعني أباك المنصور لا جلست إلا معي وأجلسه في صدر المجلس معه( ، ولعل هذا الحور يدل على دى العلاقة الوطيدة بين هذين الأخوين لكن للسياسة شأن آخر .
رابعا: كيف انتهت قضية ولاية العهد :
انتهت قضية ولاية العهد بوفاة موسي الهادي و قد كان في وفاته ينوي أن يقتل هارون كام أخبر هرثمه بن زعين ، فقد زورد الطبري ما نصه :) أنه لما كان الليه التي توفي فيها موسى الهادي أخرج رثمة بن أعين هارون الرشيد ليلا فأقعده للخلافة فدعا هارون يحيى بن خالد بن برمك وكان محبوسا و قد كان عزم موسى على قتله وقتل هارون الرشيد في تلك الليلة( فأنقذ الله الرشيد بأن قبض روح الهادي في تلك الليه التي نوي فيها قتل يحيى بن خالد وهارون الرشيد و تولي الخلافة هارون وكان ذلك لما هجم خزيمة بن خازم علي جعفر بن موسي الهادي و معه خمسة الاف من مواليه معهم السلاح فأخذوا جعفر من فراشه و أصعدوه على السطح و زجبروه زن يخبر الناس أنه نازل عن الخلافه لهارون و من انت له بيعة في عنقي فقد حللته منها وتولى الخلافة هارون الرشيد وأحسن رلي أبناد أخيه موسى وزوجهم من بناته وأعلى شأنهم .
خامسا: نظرة عامة حول قضية ولاية العهد في عصر الهادي :
* يتبين لنا من خلال ما سبق مدي صعوبة خلع أحد من ولاية العهد ولو كان الخليفة يريد ذلك ، فالخليفةيستطيع فعل كل شيء من تغيير كبار القيادات في الجيش والدوله إلا أنه لا يستطيع تغيير ولي العهد ، ذلك لارتباط اسمه بالبيعة .
- كذلك توضح لنا المعلوامت السابقة مدى العلاقة الوطيدة بين يحيي بن خلد البرمكي وهارون الرشيد ودور يحيي القوي في تثبيت هارون على ولاية العهد مما يجعل ليحيى فضل كبير على هارون .
- يتيبن لنا جميل أخلاق الرشيد في التعمل مع زبناء أخيه الذي حاول خلعه ، فقد أحسن إليهم وزوجهم من بناته
- كان للسيده الخيزران دور بلا شك في تولية هارون الخلافه سنذكر بعضا منها في معرض حديثنا عن السيده الخيزران ولكن الطبري لم يذكر الكثير عن دورها في تولية العهد .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق